مؤخرًا كانت الذكرى رقم 108 لميلاد رائدة تحرير المرأة المصرية درية شفيق (1908-1975). بدأت شفيق، في فبراير/شباط 1957، إضرابًا عن الطعام داخل السفارة الهندية، حيث وفر لها رئيس وزارء الهند جواهر لال نهرو حماية من خلال مقر سفارة بلاده في القاهرة، وذلك من أجل الاحتجاج على تصفية الرئيس جمال عبد الناصر للجمعيات الأهلية.

لكن يبدو أن العمل الأهلي سيدخل مرحلة مشابهة وأشد قسوة.  

مؤخرًا كانت الذكرى رقم 108 لميلاد رائدة تحرير المرأة المصرية درية شفيق (1908-1975). بدأت شفيق، في فبراير/شباط 1957، إضرابًا عن الطعام داخل السفارة الهندية، حيث وفر لها رئيس وزارء الهند جواهر لال نهرو حماية من خلال مقر سفارة بلاده في القاهرة، وذلك من أجل الاحتجاج على تصفية الرئيس جمال عبد الناصر للجمعيات الأهلية.

لكن يبدو أن العمل الأهلي سيدخل مرحلة مشابهة وأشد قسوة.  

تشارك الجمعيات الأهلية منذ بدايات القرن التاسع عشر في تنمية المجتمع المصري ودعم ناسه أولها كانت الجمعية الأهلية اليونانية بالإسكندرية في العام 1821 وبعد أكثر من مائة عام أُقر حق تأسيس الجمعيات في دستور 1923. زادت الجمعيات ووصلت وقت العمل بهذا الدستور إلى 159 جمعية، بينما تضاعف هذا العدد الآن حوالي ثلاثمائة مرة ليصبح عدد الجمعيات العاملة في مصر 47 ألف تتنوع ميادين عملها بين رعاية الطفولة والأمومة، الأسرة، الفئات الخاصة والمعوقين، المسجونين، الشيخوخة، وأرباب المعاشات.

كما تساهم في مجالات مثل تنظيم الأسرة، الدفاع الاجتماعي، تنمية المجتعات المحلية، حماية البيئة وتنظيمها، حماية المستهلك، النشاط الأدبي، الخدمات الثقافية والعلمية والدينية، الصداقة بين جمهورية مصر العربية والشعوب الصديقة، تقديم المساعدات الاجتماعية، التنمية الاقتصادية للأسرة وتنمية الدخل، التنظيم والإدارة، وأخيرًا حقوق الإنسان.

فقرة جديدة من خطاب “التخوين”

لم تضيق مصر على العمل الأهلي إلا خلال حكم الرئيس جمال عبد الناصر، وكان تصاعد هذا التضييق مع صدور القانون رقم 32 لسنة 1964، لكننا نشاهد موجة جديدة من التضييق على العمل الأهلي، حيث بدأ مسار الدولة في التشكيك والتضييق على منظمات المجتمع المدني العاملة في مجال حقوق الإنسان منذ 2011 وذلك عبر قضية 173 بشأن التمويل الأجنبي، الممتدة تحقيقاتها حتى الآن مع المؤسسيين والعاملين. رغم ذلك كانت الحكومة المصرية قد وافقت على مراقبة 117 منظمة لانتخابات الرئاسة المصرية 2014، بينما جمَّدَت، مؤخرًا، أموال حقوقيين وجمعيات كانت آخرهم عزة سليمان، مؤسسة ومديرة مركز قضايا المرأة المصرية. كما منع بعض العاملين بمجال حقوق الإنسان من السفر خارج البلاد، لكن مع إقرار البرلمان لقانون الجمعيات الأهلية، في بداية شهر ديسمبر، أكد رئيسه علي عبد العال أنه يُلبي حاجات مؤسسات المجتمع المدني مع الحفاظ على الأمن المصري. لكن 47 ألف جمعية تدفع ثمن محاولة الدولة للتضييق على 51 منها فقط.

يبرر عبد العال ذلك بما قاله ويل ديورانت (1885-1981) بإن:” الحضارات العظيمة لا تهدم من الخارج وإنما تدمر نفسها من الداخل” (جاء ذلك بمقدمة كتاب المؤرخ الأمريكي قصة الحضارة). لم يرد ذكر العهد الدولي لحقوق الإنسان، أثناء الترويج لهذا القانون، إلا بشأن تأكيده لمراعاة كل دولة لمسائل الأمن القومي.

كما يتماشى تصريح رئيس البرلمان مع إلزام الدولة للجمعيات بالعمل بقانون 84 لسنة 2002، في العام 2014، والذي يفرض رقابة من جانب وزارة التضامن على دخول الأموال. القانون يقيد عمل الجمعيات ويُلزمها بالخضوع لمراقبة حكومية صارمة، كانت سببًا لتأسيس كافة الجمعيات المعنية بحقوق الإنسان على هيئة شركات تابعة لقانون الاستثمار. تراجعت الحكومة عن محاولتها لـ”تأميم” المجتمع المدني، لأن تأسيس هذه المنطمات حسب القانون المصري يمثل حماية لها، لكن مع القانون الجديد ستلزم كافة الجمعيات بتوفيق أوضاعها حسب شروط القانون الجديد خلال سنة واحدة، الذي لا يعطل أو يؤجل تلقي الأموال، كما كان يحدث حسب قانون سنة 2002، وإنما يجيز للجهة الإدارية عدم الموافقة بعد مدة تصل إلى شهرين!

 حظر المعرفة دون موافقة

صدر القانون متجاهلًا اعتراضات منظمات المجتمع المدني وبيانتها الغاضبة، بل رفض وزارة التضامن كذلك، إلى جانب عدة مشاريع أخرى بشأن العمل الأهلي.. هكذا طُرحَ قانون من جانب النائب عبد الهادي القصبي ليحصد، خلال أسبوعين، موافقة أغلبية البرلمان ليكون مستقبل العمل الأهلي مهددًا، رغم رسوخه تاريخيًا في المجتمع المصري حيث تنوعت أنشطته بين مكافحة السل، عبر جمعية حملت الاسم نفسه أسست في 1902 أو رعاية العميان في الزيتون (واحد من أحياء شمال القاهرة). كما نشطت في مصر جمعيات لرعاية شؤون المسيحيين مثل المساعي الخيرية القبطية، أسست في العام 1881 على يد بطرس غالي، رئيس وزراء مصر الأسبق. كانت توزع الصدقات وتراقب طريقة إدارة أوقاف الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، تلتها جمعيات ترعى شؤون طوائف أخرى مثل الخيرية الكاثوليكية (1886)، والطلبة المصريين البروتستانتية (1908).

خير أقل من عشرة آلاف جنيهًا

لا يهدف العمل الأهلي إلى تحقيق الأرباح رغم ذلك تشكك الدولة بشأن ما تصل لمنظماته من أموال، حول مصادرها، وجهات صرفها داخل البلاد. يقدر البرلمان المال السنوي للمجتمع المدني بقيمة 60 مليار جنيهًا، لكن يبدو أن هذا التضييق لتعطيل العمل، حيث يُلزم القانون الجديد الجمعيات بعدم إجراء أي دراسة أو إحصائية إلا بعد الحصول على موافقة من الجهة الإدارية. كما إنها لن تنشر أي عمل بحثي قبل صدور موافقة حكومية أخرى.

رفضًا لهذا القانون تعالت، لأول مرة، أصوات معروفة بتأييدها لسياسات الدولة من مؤسسي الجمعيات الأهلية مثل الفنان محمد صبحي، مؤسس “معًا لتطوير العشوائيات”.

رغم أن الدستور يقر حق المصريين في تأسيس الجمعيات، في المادة 75 منه، بمجرد الإخطار. وتمارس هذه الجمعيات نشاطها بحرية، ولا يجوز للجهات الإدارية التدخل في شئونها أو حلها أو حل مجلس إدارتها أو مجلس أمنائها إلا بحكم قضائي إلا أن القانون الجديد سيسمح للحكومة بالتدخل في كافة شؤون الجمعيات والمؤسسات الأهلية، عن طريق إجازة قبول الأموال من عدمه، سواء كانت من الخارج أو الداخل.

كما سيشرط التبرعات بقبولها إداريًا كما يمنح للجهة الإدارية إمكانية حل أي جمعية أو إحالة أعضاء مجالس إدارتها أو أمنائها للجهاز المركزي للمحاسبات، بل حبسهم لمدة تصل إلى خمس سنوات كذلك. كما سيفرض رقابة من جهاز يضم عضوًا من المخابرات وآخر من وزارة الدفاع للبت في كافة قرارات المنظمات الأجنبية العاملة في مصر، ليكون أي عمل أهلي، مصري أو أجنبي، خاضعًا لسيطرة الإدارة المركزية والسيطرة الكاملة للحكومة المصرية.

ترفض هبة السويدي مؤسسة “جمعية مستشفى أهل مصر لعلاج ضحايا الحروق”، قيود القانون على قبول التبرعات أو التحويلات المالية بموافقة الدولة عليها خلال مدة تصل لشهرَين. كانت السويدي قد حصلت على دعم جيد من وزارة الإسكان عبر تخصيص مساحات من أرض منطقة التجمع الأول، بمدينة القاهرة الجديدة، وكان افتتاح المستشفى في ديمسبر/ كانون أول 2016 مع إقرار القانون، حيث تتساءل السويدي: كيف سنعمل؟ كيف ستدخل الأموال؟

لا تتوقع الجمعيات أن تواجه مشكلات إذا كانت ستتلقى أموالًا تحت سقف العشرة آلاف جنيهًا، غير ذلك سيتطلب الأمر الكثير من العمل البيروقراطي المُقيد.

لا يزال مستقبل العمل الأهلي غامضًا. تتزايد المشاورات بحثًا عن حلول، لكن المؤكد أن مرحلة جديدة للجمعيات غير الحكومية ستبدأ لتتكامل مع عمليات التضييق المستمرة على المجال العام في مصر.

 

إقرأ أيضا:

قانون هدم المجتمع المدني بمصر