مع انطلاق فترة الراحة الصّباحيّة عند الساعة العاشرة يتجمهر تلاميذ مدرسة السوالمية بمنطقة بوحجلة من محافظة القيروان (جنوب) وسط الساحة لتناول قطع الخبز وتقاسم قوارير ماء جلبوها معهم.

ورغم اعتياد المعلمين على رؤية تلاميذهم وهم يتجاذبون قارورة ماء واحدة يتناقلونها بين شفاههم الرقيقة الظمئة في درجة حرارة تقارب الاربعين إلا أنه مشهد يثير القلق والمخاوف من تناقل الأمراض المعدية.

مع انطلاق فترة الراحة الصّباحيّة عند الساعة العاشرة يتجمهر تلاميذ مدرسة السوالمية بمنطقة بوحجلة من محافظة القيروان (جنوب) وسط الساحة لتناول قطع الخبز وتقاسم قوارير ماء جلبوها معهم.

ورغم اعتياد المعلمين على رؤية تلاميذهم وهم يتجاذبون قارورة ماء واحدة يتناقلونها بين شفاههم الرقيقة الظمئة في درجة حرارة تقارب الاربعين إلا أنه مشهد يثير القلق والمخاوف من تناقل الأمراض المعدية.

وتفتقر مدرسة السوالمية كغيرها من المدراس النائية في البلاد إلى ماء صالح للشرب. فالحنفيات التي وضعت قبل عقدين من الزمن على الأقل لم يسر فيها الماء وظلت مجرد ديكور عقيم.

ومع أنّ الدولة أنفقت نحو 8 آلاف دولار لتجديد الأنابيب إلا أن الماء لم يسري فيها وما تزال تعاني من الجفاف حتى بقي المكان الوحيد الذي يحوي الماء صهريج أزرق وضع تحت شجرة زيتون تتوسط المدرسة.

تجد آية السالمي (10 سنوات) تلميذة في الثالثة ابتدائي صعوبة كبيرة في الدراسة، فغياب الماء الصالح للشرب يزيد من تعكير حالتها الصحية بسبب معاناتها من مرض الكلى.

تقول آية إنّ مرضها يتطلب منها شرب الماء المعدني باستمرار خشية تحوّله إلى فشل كلوي يصعب علاجه. لكن ظروف والديها الصعبة لا تسمح بذلك، فتشرب ماء الصهريج الذي لا تعلم مصدره.  

تبدو آية نحيفة قصيرة القامة كأنها تشكو من تأخّر في النموّ. ويقول معلمها إنها خير دليل على خطورة المضاعفات الصحّية الناجمة عن فقدان الماء الصالح للشرب في تلك المنطقة بسبب ارتفاع درجة الملوحة وتلوثه.

ورغم ما يبدو عليها من نشاط يقول معلمها بأنها تعاني من مشاكل في الدراسة جعلتها ترسب في السنة الدراسية الماضية، مرجعا فشلها إلى تدهور ظروفها الاجتماعية والصحية إضافة إلى تدهور الوضع المدرسي.

وتشير دراسة أعدها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى ارتفاع عدد المنقطعين عن التعليم من 100 ألف تلميذ سنة 2010 الى 112 ألف تلميذ سنة 2012 بسبب تدهور الوضع الاجتماعي والمدرسي.

ودق مدرسون بمحافظة القيروان ناقوس الخطر من تصاعد الانقطاع المبكر عن التعليم وظهور أمراض خطيرة لدى التلاميذ بسبب تدهور الوضع الصحي بالمدارس لا سيما بسبب انعدام الماء الصالح للشرب.

ويعبّر المدرس عمر السالمي بمدرسة السوالمية بشيء من الانفعال في حديث لـ”مراسلون” عن استيائه مما اعتبره تنصلا من قبل المسؤولين رغم تفاقم مخاطر تردي الوضع في المدرسة على التلاميذ والمدرسين.

ويقول “الماء الصلاح للشرب من المرافق الأساسيّة التي لا يمكن النقاش بشأنها “.

ولم يقتصر تذمره عن هذا الحد فقد أعرب عن امتعاضه من تدهور البنية الأساسية بأكملها في المدرسة. ويضيف “لقد جاء مسؤولون مرارا إلى المدرسة ودوّنوا ملاحظاتهم. كان من ضمنهم معتمد منطقة بوحجلة الذي تذوق الماء العكر الذي تجلبه صهاريج مجرورة للمدرسة وأقرّ بأنه مالح لكن رغم ذلك بقيت دار لقمان على حالها”.

ورغم استمرار الأوضاع يواجه المدرسون والتلاميذ معاناة شاقة بصبر كبير ربما يعود  لتعودهم على غياب الماء الصالح للشرب في منازلهم أيضاً. لكن هناك من هرب من جحيم تلك المعاناة بحثا عن مكان يطيب فيه العيش.

يروي أحد المعلمين أن مدرّسة قدمت مؤخرا من جهة مجاورة لمنطقة بوحجلة للتدريس بمدرسة السوالمية لكنها عادت أدراجها في نفس سيارة الأجرة التي أقلتها عندما علمت بغياب الماء الصالح الشرب وغياب الماء في المراحيض.

وتقول مندوبيّة التربية الحكومية بمحافظة القيروان إن هناك 167 مدرسة تفتقر للماء بشكل كامل بالقيروان، بينما ترفع المنظمات الحقوقية والاجتماعيّة الرقم إلى حدود 178 مدرسة رغم أن هناك جهات تقلل بكثير من ذلك.

وبمعتمديّة بوحجلة التي يقدّر سكّانها بـ120 ألف ساكن، وهو تقريبا خمس سكان ولاية القيروان، تعاني 20 مدرسة ابتدائية من جملة 42 مدرسة من مشكل في ماء الشرب وفق ما صرح به معتمد بوحجلة أحمد الجلالي.

وتعود مشاكل تزويد المدارس الرّيفيّة بمياه الشرب كونها تتم عن طريق ما يعرف بالهندسة الرّيفيّة والتي تشرف عليها مندوبيّة الفلاحة. وتوكل مهام التّسيير إلى “المجمّعات المائيّة”، وهو هيكل محلّي غير رسمي يحلّ محلّ شركة استغلال وتوزيع المياه الحكومية.

ويتحمّل كل مجمع مائي مسؤوليّة الإشراف على شبكة تزويد مناطق سكنيّة وما فيها من مؤسسات تربويّة بماء الشرب أو مناطق سقويّة فلاحيّة بمياه الرّي.

وترتبط المدارس الابتدائيّة بهذه المجمعات المائيّة وتساهم في دفع معاليم استهلاكها للجمعيّة التي تتولى عمليّة الإشراف المالي من خلال استخلاص معاليم اشتراك المواطنين ثم خلاص فاتورة استهلاك الكهرباء للمجمع. وتقدر قيمة المتر المكعب الواحد بين نصف دينار ودينار ونصف للمتر المكعّب ( 1دينار يساوي حوالي نصف دولار).

وتواجه الجمعيات المائيّة التي قدر عددها بالعشرات في القيروان وعدد حرفائها بالآلاف، خطر عدم خلاص المواطنين لفواتير الاستهلاك وهو ما يتسبب لها في عدم القدرة على تسديد مستحقاتها لشركة الكهرباء الحكومية. وفي تلك الحالة يقع قطع الكهرباء عنها وهو ما يتسبب بالتالي في انقطاع مياه الشرب عن السكان والمدارس والمساجد.

ويطالب المواطنون في القيروان بأن تتولى الشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه دورها في تزويد جميع المناطق بالماء. ولكن هناك اعتبارات تتعلق بالتضاريس والتكلفة المالية تعيق تدخل الشركة الحكومية لإنجاز المشاريع.