منذ أكثر من خمسين عاما سرق التلميذ الحمروني بن عيسى عصا مدرس اللغة الفرنسية، ليحولها من أداة عقاب إلى تحفة فنية.

المدرس الفرنسي روبير واتينق، الذي اكتشف الأمر لم يعاقب تلميذه على السرقة بل أصبح محل اهتمامه ورعاية موهبته. وقد دون السيد واتينق في التقرير الذي رفعه إلى مدير المدرسة أن “الحمروني حوّل العصى المصنوعة من اللوح من أداة معاقبة التلاميذ إلى قطعة فنية، مغطاة بزهور أقحوان منحوتة على سطحها الصعب حفره بسهولة”.

منذ أكثر من خمسين عاما سرق التلميذ الحمروني بن عيسى عصا مدرس اللغة الفرنسية، ليحولها من أداة عقاب إلى تحفة فنية.

المدرس الفرنسي روبير واتينق، الذي اكتشف الأمر لم يعاقب تلميذه على السرقة بل أصبح محل اهتمامه ورعاية موهبته. وقد دون السيد واتينق في التقرير الذي رفعه إلى مدير المدرسة أن “الحمروني حوّل العصى المصنوعة من اللوح من أداة معاقبة التلاميذ إلى قطعة فنية، مغطاة بزهور أقحوان منحوتة على سطحها الصعب حفره بسهولة”.

ظروف اجتماعية قاسية حالت دون أن يواصل  الحمروني تجاوز المرحلة الابتدائية من الدراسة. فقد قرر والده إلحاقه بورشة إصلاح ميكانيك السيارات، لمساعدته على مجابهة فقر مدقع يهدد العائلة بالموت جوعا. العمل طيلة النهار لم يمنعه من ممارسة هوايته في الليل رفقة المدرس “روبير”. كان ينحت على الحجر أشكالا لا ترمز لأي شيء.

التهديدات تخيفه

في ورشته بمدينة قابس في الجنوب التونسي، يتأمل الحمروني أعماله التي نالت صيتا عالميا. يتأمل أعماله كمن يلقي عليها نظرة وداع. فقد تلقى رسائل تهديد من متطرفين يتهمونه بالكفر وبصناعة الاصنام. وهو ما جعله يهجر نشاط النحت.

ليست هذه المرة الأولى التي يتلقى فيها تهديدا. فقد شهد محلّه بعد فوز حركة النهضة في انتخابات 2011 هجوم من عشرات المتشددين وتهشيم أعمال فنية استغرق انجازها أشهر من التركيز والعناء الجسدي. اعتقد أن هذا الاستهداف لن يتواصل وسيقتصر على الاحتفال بنشوة فوز الإسلاميين.

انتشار الكتب التكفيرية ودعوة الشباب للجهاد في جميع مدن البلاد دون تصدي الحكومة لهذه الممارسات جعل “الحمروني” أكثر إدراكاً لخطر انزلاق تونس في خندق التطرف، وبأنه وغيره من النحاتين لن يكون في مأمن مما سيحدث. فقد تجمع عدد من عناصر تنظيم الشريعة (قبل حظره) أمام محلّه لحرقه وتحطيم ما سموه بالأصنام، لكن سكان الحي حالوا دون المساس به.

اشتغل الحمروني قبل بلوغ سن العشرين في عدة مجالات على غرار البناء والفلاحة. استقلال البلاد التونسية  واهتمام نخبها بالثقافة والفن شجعه على خوض مغامرة احتراف النحت. ورغم الجهل بالأبجديات العلمية للفنون، كانت أعماله تقنع الخبراء الذين سمحوا له بالمشاركة في التظاهرات الفنية لعرض منحوتاته.

نحات التاريخ

[ibimage==15107==Small_Image==none==self==null]

“أصنام” الحمروني

 

تجاوز سن المراهقة والتحولات السياسية آنذاك، أقنع هذا النحات بضرورة الانتصار “للاشتراكية العالمية”. حزن وفرح مع بقية شعوب الدول العربية لفوز وهزيمة مصر في صراعها مع إسرائيل. ترجم مشاعره في نحت تماثيل لزعماء القرن الماضي، وأبدع في نحت تقاسيم وجوه تشي جيفارا وجمال عبد الناصر وغيرهم من قادة الدول الاشتراكية.

وسط محل لا يتجاوز مترين مربع في أحد الأحياء الشعبية بمدينة قابس، نحت “الحمروني” للتاريخ. فقد قام بتوثيق ملامح عاشها العالم، حرص على تدوينها على الحجر والخشب بأدوات بدائية خولته الحصول على صفة نحات محترف.

لا ينكر أن البداية كانت متعثرة، لكن نجح في تجاوزها على المستوى المادي من خلال إقبال الملوعين بفن النحت على شراء أعماله.

ساهم النحات العصامي في تصاميم أغلب نزل الجنوب التونسي، فقد كان ينحت أعمالا تتماشى مع الصحراء والبحر يصعب على سائح الأوروبي محوها من ذاكرته.

يعتبر ما حدث في تونس يوم 14 كانون الثاني/ 2011، بمثابة الاستقلال الثاني لهذا البلد. لكن تراجع نسق الأنشطة الثقافية بسبب تدهور الوضع الأمني، دفعه للتفطن أن “الثورة” أضرت بمصالحه التجارية. فقد كان يحصد أموال طائلة بعد عرض أعمال ألهمت أثرياء تونس الذين تهافتوا على شرائها أثناء مشاركاته في الملتقيات الدولية والإقليمية. وهو يرى أن البعض انتهز الفرصة بعد الثورة لتتواصل الفوضى في البلاد والبعض الآخر ليفرض أفكار غريبة عن المجتمع التونسي.

رغم حظر الجمعيات المتطرفة مازال الحمروني يعاني تهديدات المتطرفين الذين يطالبونه بالكف عن تجسيد التماثيل. وهو يواظب على مناقشة مهدديه ويلجأ إلى تفسير الآيات القرآنية والتأكيد أن الموهبة يمنحها الله ولا يجوز لأحد منعها.

بائع سجائر

يعشق مهنته التي تعتبر مورد رزقه الوحيد رغم أنها لم تعد توفر مقومات العيش الكريم. يعتقد أن وضعه المادي في حالة تواجده في أحدى الدول الأوروبية، سيكون مختلف مع شعوب مولعة بفن النحت لا تهتم بالمبالغ المدفوعة مقابل قطعة فنية نادرة. لا يخلو ذهنه من التفكير في مستقبل تونس في حالة انتقال عدوى التطرف من ليبيا، ومصير أمثاله من الفانين الذين يصنفون في خانة “الكفار” لدى التنظيمات المتطرفة.

التهديدات الإرهابية وتراجع المداخيل المادية تزحف للقضاء على فن النحات الحمروني بن عيسى. فهو يستعد لتحويل مشغله الذي كان مزار طلبة كلية الفنون يستنجدون به بطلب من أستاذتهم للاستفادة من تجربته وإدراجها ضمن تقارير ختم الدروس الجامعية، سيتحول هذا الفضاء الفني إلى دكان بيع المواد الاستهلاكية والسجائر المهربة من ليبيا والجزائر. بضائع ستضمن له أرباح طائلة بسبب إقبال المواطن على اقتناءها هربا من غلاء أسعار السلع التونسية.

لا يخفي الإحساس بالحسرة لهجر مهنته الأصلية. يتفاءل أن هذا الواقع سيتغير ويفرز جيل جديد يحترم الفنان بعيدا عن أي عوامل تعرقل الإبداع. سينتهي مشواره الفني بتتويج حلم به منذ الصغر. فقد اختارت لجنة فنون دول الحوض المتوسط عرض آخر منحوتاته “السلام” في ألمانيا، عروس البحر على حجر يتجاوز طوله 3 أمتار ستكون إبداع يحمل توقيع عصامي التكوين حولته سرقة عصا إلى فنان.