البقاء في مدن الجنوب التونسي، كان قرار أغلب الفارين من جحيم الصراع الليبي. إذ تفيد الأرقام المتوفرة لدى مصالح إدارة الحدود والأجانب أن معبر رأس جدير (600 كلم جنوب شرق)، سجل من منذ اندلاع الاشتباكات المسلحة في ليبيا، دخول حوالي 60 ألف ليبي من مختلف الأعمار. بمعدل 5000 مسافر في اليوم الواحد.

البقاء في مدن الجنوب التونسي، كان قرار أغلب الفارين من جحيم الصراع الليبي. إذ تفيد الأرقام المتوفرة لدى مصالح إدارة الحدود والأجانب أن معبر رأس جدير (600 كلم جنوب شرق)، سجل من منذ اندلاع الاشتباكات المسلحة في ليبيا، دخول حوالي 60 ألف ليبي من مختلف الأعمار. بمعدل 5000 مسافر في اليوم الواحد.

وحظيت جزيرة جربة السياحية بالحصول على العدد الأكبر من الليبيين الوافدين على البلاد، وهو ما ساهم في انتعاش الحركة التجارية وزيادة إنتاج المواد الاستهلاكية لفائدة الضيوف الجدد. وبلغت طاقة استيعاب النزل والفنادق ذروتها بعد فوز الليبيين ببقية الحجوزات المتوفرة لدى وكالات الأسفار، ما دفع بإدارات الوحدات السياحة إلى تغيير أسعار الإقامة المعروضة للحرفاء على مواقعها الإلكترونية.

وفي هذا الصدد يقول رئيس جامعة النزل بالجنوب الشرقي بشير الزموري لموقع مراسلون “الزيادة في الأسعار تراوحت بين 20 و40 بالمائة. فقد كانت الأماكن الشاغرة في النزل مخصصة للسياحة الداخلية، لكن السائح  الليبي بإمكانه دفع أكثر من المبالغ المحددة قبل أشهر. نشاط الفنادق يندرج ضمن مشاريع تجارية من حق أصحابها الاعتماد على أسس وقواعد الربح المعمول بها عالميا في قطاع التجارة. السياحة التونسية تعاني منذ بداية الأحداث التي عاشتها البلاد سنة 2011 من عدة مشاكل وسجلت خسائر فادحة، ويجب استغلال مثل هذه الفرص لتحقيق أرباح استثنائية”.

ويؤكد الزموري “الأوروبي حريف(زبون) قار والبرامج تحدد بحسب رغبته مسبقا، والسائح الليبي الذي يعتبر تواجده استثنائيا مطالب بالاندماج والتأقلم مع هذه البرامج”.  ولا ينكر أن الحريف الليبي ينفق أكثر من بقية الجنسيات، التي تحبذ نظام الحجوزات الضامنة لخلاص جميع الاستهلاك والخدمات في الفنادق.

 أنعشوا السياحة

لا يمكن اعتبار  وصول آلاف الليبيين إلى جزيرة جربة وإقامتهم في الوحدات السياحية، انقاذا للموسم السياحي. وعن هذه النقطة يفسر رئيس الهيكل النقابي لأصحاب الفنادق “في شهر أوت من كل سنة تعيش الجزيرة فترة الذروة السياحية. إقامة الوفود الليبية التي انعشت القطاع، كانت بمثابة أرباح إضافية كنا سنحقق ثلثها من خلال عائدات السياحة الداخلية التي تساهم سنويا في سد الغرف الشاغرة بعد اتمام حجوزات البلدان الأوروبية”.

وبالإضافة إلى الفنادق، تختار العائلات خاصة البحث عن شقق مفروشة في مدينة قابس أو جزيرة جربة، عن طريق وسطاء  عقاريين يتقاضون نسبة عن أجرة كل عملية كراء. ما تسبب في تنامي عمليات السمسرة العقارية وارتفاع أسعار الليلة الواحدة إلى 100 دينار بزيادة تقدر بقرابة 40 بالمائة. وتنتشر هذه المنازل والشقق في جميع الأنهج والشوارع، وهو ما دفع بعدد من الأهالي إلى عرض منازلهم للكراء والإقامة لدى أحد أقاربهم واقتسام الربح المادي. والتجأ البعض الآخر إلى إدخال تعديلات هندسية على بيوت مخصصة للغرض لتوفير أكثر من محل سكن وتحقيق أرباح مادية غير متوقعة. ويعود هذا الاختيار بحسب تصريحات عدد من العائلات الليبية المقيمة في الجنوب الشرقي، إلى البحث عن الاستقلالية وعدم الاحتكاك بالأجانب، والمحافظة على تقاليد موروثة تجنب ظهور المرأة أمام الغرباء والحديث معها. بالإضافة إلى تفادي الإقامة توفر خدمات قد يحرمها الدين الإسلامي على غرار المشروبات الكحولية.

نقص في التموين

إقامة الليبيين في مختلف الأماكن، ضاعفت النسق العادي للاستهلاك، وأجبرت بائعي اللحوم والدواجن والمواد الغذائية على مضاعفة الإنتاج لتلبية الحاجيات الاستثنائية التي يعيشها السوق. وسجلت جميع قطاعات التجارة في الجنوب الشرقي التونسي نشاطا غير مألوف، حقق أرباحا مالية لكافة الشرائح الاجتماعية.

لا تتوفر احصائيات وأرقام رسمية لعدد الليبيين في جربة، لكن سياراتهم الرابضة في كل مكان وتواجدهم إلى جانب التونسيين في المراكز التجارية والشواطئ، دلالات متفجرة تثبت أن الجزيرة تعيش ظرفا استثنائيا لا يخلو من السلبيات والانعكاسات الاجتماعية.

وتقول الصحافية المقيمة بجربة “سامية البيولي” لموقع مراسلون أن الليبيين يحبذون اللجوء والإقامة في الجزيرة، نظرا للقرب الجغرافي من الحدود التونسية-الليبية وتشابه العادات والتقاليد مع السكان المحليين. بالإضافة إلى اعتدال مناخها وتوفر الأمن وأماكن ترفيه تنسيهم أصوات الرصاص والصواريخ.

وتقول سامية “رغم الانتعاشة الاقتصاديّة الكبرى التّي شهدتها جزيرة جربة بتوافد عدد مهول من الليبيين، شهدت  المحلاّت التجاريّة الصّغرى والكبرى نقصا فادحا في المواد الغذائيّة على غرار الحليب و السكّر والدقيق. تضاعف الاستهلاك من طرف الليبيين وتهريبه الى وطنهم كان على حساب الأهالي والمواطن الذي لا يستطيع الاستغناء عن المواد الأساسية”.

وتشدد البيولي التي تشغل خطة رئيس تحرير الموقع الإخباري المحلي “جربة-سكوب”، أن الاضطرابات طالت قطاع الصحة. فقد شهدت المصحات الخاصة التي باتت شبيهة بمستشفيات طرابلس، اكتظاظا من المواطنين الليبيين تسبب في تباعد مواعيد المرضى مع الأطباء وتذمر أهالي الجزيرة. إضافة إلى ارتفاع نسبة حوادث الطرقات بسبب الإفراط في السرعة من قبل عشرات الليبيين، الذين لا يحترمون إشارات المرور وخصوصية نظام الطرقات في المنطقة.

وسجلت إدارات الفنادق أكثر من مرة، عدة اشكاليات بين السائح الليبي والأوروبي بحسب شهادات العاملين في قطاع السياحة، الذين يؤكدون أن سلوك بعض الليبيين وتعمد نسائهم السباحة بالنقاب في مسبح النزل يثير اشمئزاز وتذمر السياح من باقي الجنسيات.

إقامتة الليبيين في الفنادق حرمت مئات العائلات التونسية من فرص الاستمتاع بالعطلة الصيفية. فقد ألغى توفيق بوزريبة (42 سنة) الذي يعمل موظفا حكوميا بوزارة التربية التونسية، السفر إلى جربة بعد العجز عن إيجاد غرفتين لعائلته المتكونة من 4 أفراد رغم الاتصال بجميع وكالات الأسفار. ويتردد مهندس الالكترونيك لطفي الجماعي في البحث عن مدينة سياحية أخرى يتوفر فيها بعض الغرف الشاغرة داخل النزل.

ويقول لمراسلون “الأسعار تغيرت ولم تعد تتماشى مع المبلغ الذي خصصته لقضاء أسبوع في فندق سياحي رفقة العائلة. قبل شهر فقط أطلعت على أثمان الإقامة في احد المواقع الكترونية لإحدى الوحدات السياحية وحددت ما يجب دفعه،  لكن هذا الموقع تخلى منذ عيد الفطر عن الأرقام المعروضة، وعمد إلى تغييرها من 90 إلى 140 دينار مقابل إقامة شخص واحد في الليلة”.

لا تقتصر انعكاسات نزوح الليبيين إلى تونس على الوضع الاجتماعي، وإنما تطال أيضا الشأن العام وتهدد الأمني القومي. ويرى الباحث المختص في قضايا الإرهاب “باسم السندي” أن استقبال أعداد من الوافدين الليبيين في هذا الظرف، يشكل اختبارا حقيقيا لقدرات الوحدات الامنية على ضبط الأمن ومكافحة الجريمة خاصة في مدن ولايات الجنوب الشرقي والساحل التونسي.

هاجس أمني

ويفيد في تصريحه لموقع مراسلون أن تدفق الآلاف من الليبيين في وقت وجيز يتطلب حدا أدنى من الوسائل والأعوان، لضمان التثبت الجيد في الهويات والتدقيق فيها لتفادي عدم تسرب عناصر اجرامية خطيرة سواء بهوياتها الحقيقة او بهويات مزيفه.  و”هذا الإجراء  يمكن القيام به عند المعابر الحدودية، لكن التفطن الى كل العناصر المشبوهة لا يقف عند هذه المراكز الامنية والديوانية المتقدمة بل يجب تشديد الرقابة كذلك في المستشفيات والمرافق الطبية، التي تأوي العناصر الليبية المصابة. إضافة إلى تكثيف التواجد الأمني بالفضاءات السياحية والخدماتية وعلى طول الطرقات”.  

كما أشار السندي إلى ضرورة التعامل بجدية مع المعلومات الاستخباراتية التي تم تداولها، حول وجود عناصر ارهابية تونسية وليبية تنوي الاندساس في صفوف الوافدين، والدخول إلى التراب التونسي مستغلة حالة الاكتظاظ الشديد بالمعبرين الحدوديين (رأس جدير وذهيبة) للتمويه ومغالطة الوحدات الامنية هناك.

ويبرر “هذه العناصر الإرهابية قد تعمد حال دخولها إلى القيام بأعمال ارهابية في تونس لإرباك المشهد العام في البلاد قبل الانتخابات، أو للقيام بتصفية بعض القيادات الأمنية والسياسية الليبية المتواجدة في تونس. ويستدرك قائلا “رغم جدية هذه التهديدات ودقة الظرف الامني والاقتصادي الذي تعيشه تونس، فإن مختلف الوحدات الامنية التونسية بما يتوفر لها من وسائل وخبرات وفي ظل وصول تعزيزات من كل الفرق والتشكيلات خاصة منها فرق الارشاد والاستعلام، قادرة على درء خطر هذه العناصر الارهابية وكشفها في الابان”.

ويرى أن هذا المجهود لا يمكن له ان يحقق كامل أهدافه إلا بتضافر جهود المواطنين وخاصة منهم الكوادر الطبية وشبه الطبية والمشرفين على الفضاءات التجارية والسياحية والخدماتية وأصحاب بيوت الايجار وغيرهم عبر الابلاغ عن كل ذي شبهة. فاعتبار تونس الملاذ الآمن لآلاف الليبيين الفارين من فظاعة الصراع المسلح في بلدهم، لا يجعلها بعيدة عن دائرة خطر الإرهاب وتهديد الأمني القومي، رغم إسهامهم في إنعاش الاقتصاد. ورغم العلاقات الجيدة بين الشعبين، فهناك حيرة هذه المدة في تصنيف جيراننا كلاجئين او سياح.