بقمصان أفغانية ولحي كثيفة، تتوافد مجموعات من سلفيي تونس الأكثر تشددا من كامل جهات البلاد إلى محافظة القيروان.

بعض هذه المجموعات قطعت عشرات الكيلومترات سيرا على الاقدام. البعض الآخر قدم على متن دراجات نارية. وآخرون استعملوا الشاحنات. جميعهم يحملون رايات التّوحيد السوداء متحدّين وزارة الدّاخليّة التي عزمت على منع مؤتمرهم بكل الوسائل، بعد رفض قياداتهم طلب ترخيص قانونيّ لأنهم لا يحتاجون إذن أحد لإعلاء كلمة اللّه، كما يقولون .

بقمصان أفغانية ولحي كثيفة، تتوافد مجموعات من سلفيي تونس الأكثر تشددا من كامل جهات البلاد إلى محافظة القيروان.

بعض هذه المجموعات قطعت عشرات الكيلومترات سيرا على الاقدام. البعض الآخر قدم على متن دراجات نارية. وآخرون استعملوا الشاحنات. جميعهم يحملون رايات التّوحيد السوداء متحدّين وزارة الدّاخليّة التي عزمت على منع مؤتمرهم بكل الوسائل، بعد رفض قياداتهم طلب ترخيص قانونيّ لأنهم لا يحتاجون إذن أحد لإعلاء كلمة اللّه، كما يقولون .

قبل أربعة أياّم من اليوم المحدد لعقد المؤتمر السنوي الثالث لتنظيم أنصار الشريعة، استجاب السلفيّون الجهاديّون لنداء مشايخهم وقياداتهم. وكانت القيروان وجهتهم ليستقرّوا داخل جامع حي النصر بأطراف المدينة التي مثّلت مركزا إستراتيجيّا للدولة الإسلاميّة وبداية لها بمنطقة المغرب العربي منذ 14 قرنا.

ولم يكن تواجدهم داخل دار العبادة التي تمثّل مكانا لممارسة عقيدتهم اعتباطيّا، فقد كان نابعا من إيمانهم بـ “المرابطة”.

و”المرابطة” هي اصطلاح حربي بامتياز، وتعني الجهاد الدّفاعي والإقامة في الثغر (مكان مهدّد بهجوم الكفّار) لإعزاز الدين ودفع خطر الأعداء و لحراسة المسلمين منهم. فالمرابطون في عقيدة الجهادييّن بمثابة الحُرَّاس لحدود البلاد الإسلامية من كل خطر وكلما كان الخطر أشدّ كانت المرابطة فيه أفضل وأعظم أجراً ووسيلة للتقرّب من الله في ذهن المرابطين.

الالتحاق بالإخوة

وصلتُ القيروان بعد منتصف اللّيل وتوجّهت لمكان المرابطة، الأبواب حينها كانت موصدة و دخول جامع النّصر عسيرا، فأعضاء لجنة التّنظيم الممّيزين بقمصانهم البرتقاليّة (الحرّاس) لا يسمحون لأي كان، خاصّة إن كان بمفرده، بالانضمام للمعسكر باستثناء من كانوا يعرفونه أو من كان في استقباله “إخوانه” (كل المنتمين للتيّار السلفي الجهادي يعتبرون بعضهم إخوة) من أبناء جهته أو معارفه، فكان “الاخ حسام” وسيلة دخولي الجامع.

حسام شاب من ذوي السوابق العدليّة يبلغ من العمر 28 عاما، عاطل عن العمل ولم يتجاوز تعليمه الثانويّة، يقطن بأحد ضواحي العاصمة المعروفة بسيطرة السلفيّين عليها (سيدي حسين). تعرّفتُ عليه أيّاما قبل المؤتمر بمسجد حيّه مع بعض إخوانه. تقرّبت منه حتى اقتنع بأنّي أريد فعلا إتباع منهج السّلف الصالح. في الحقيقة لم تكن علامات التشدّد بادية عليه لكنه كان كذلك.

حذر وأُمراء

الليلة الأولى بموقع المرابطة، كانت ميزتها الحذر، فالجميع يتّخذ سلاحا خيفة من مندسّين قد يفشون خططهم ويكشفون ما يدور داخل المكان.

نظرات الشك هي وسيلة التواصل، التي تكاد تكون الوحيدة بين أغلب المرابطين. والغالبية لا يعرف بعضهم بعضا بحكم قدومهم من مناطق متفرّقة من الجمهورية. ولكن ما يجمعهم هو العقيدة واللّحية الطويلة من حيث الشكّل.

في حدود السّاعة الثّالثة صباحا يصعد أحد الحرّاس من لجنة التّنظيم لمكان النوم، الذي يتواجد به أضعاف سعته. ويشرع بإيقاظ الجهاديّين قائلا “قرب موعد صلاة الصّبح، استيقظوا لإقامة الصلاة رحمكم اللّه”. ولا يبارح المكان إلا بعد تأكّده من نزول الجميع إلى باحة الجامع، فلا مجال للمراوغة لمواصلة النّوم وإلا ستطلق عليهم أسهم الاتهامات بعصيان اللّه دون هوادة.

ما يثير الانتباه هو مبايعة كل مجموعة تتكوّن من 4 أو 5 أفراد لشخص من بينهم ويعلنونه أميرا عليهم. وعادة ما يكون أكثرهم دراية بشؤون الدّين والفقه وحفظا للقرآن وبطبيعة الحال أطولهم لحية، مهمّته تتمثّل في قيادتهم وتوجيههم. والقائد هو الناطق باسمهم خلال التواصل مع الحرّاس او أعضاء لجنة تنظيم بالجامع.

رغم اقتناعه الشديد بالفكر السّلفي الجهادي الذي تنبع منه “مبايعة” أمير على كل مجموعة، لم يكن حسام يستسيغ ان يُولّي شخصا عليه يستشيره ويأخذه إذنه في كل حركة، فالنّزعة الفرديّة كانت غالبة على طباعه وحين سألته عن السّبب قال “أستطيع تدبّر الأمور البسيطة بنفسي”.

معصية التدخين ومقتل بن لادن

بعد إقامة الصّلاة يتفرّق الجميع، منهم من يعود للنّوم وآخرون يمكثون لمواصلة العبادة والدّعاء. قلة من “المرابطين” يخرجون لاحتساء قهوة وشرب بعض السجائر في مكان بعيد عن محيط الجامع خشية اكتشاف أمرهم.

القوانين هنا صارمة جدا ولا تحتمل التّأويل ولا تحوي أي ثغرات. التدخين بالنّسبة لهم خطيئة من الكبائر تضاهي شرب الخمر أو الزّنا، وتعرّض صاحبها لعقوبات تتراوح من دعاء بالتّوبة إلى سيل من الاتهامات وجلد بالسوط، إن لم يكن تكفيرا وما يترتّب عليه من إهدار دم.

الاعتقاد هنا، هو أن ارتكاب شخص واحد لخطيئة قد تؤدّي إلى عقاب إلهي يحيق بالجميع، وخسارة المعركة ضدّ الطّاغوت (رجال الشرطة والجيش ومن ورائهم الحكومة). هذا ما أكّده أمير الجامع، وهو يدعى زياد، و كان  في الاربعينات من عمره، أسمر البشرة و كثيف اللّحية. أكد ذلك لنا، بمرارة كبيرة، بعد اكتشافه لي رفقة أخوين ونحن بصدد شرب السجائر.

نادانا الأمير حينها وانطلق بإقناعنا بأن التدخين من الكبائر، اعتمادا على آيات قرآنيّة. وأنّه طريق لقتل أنفسنا بغض النّظر عن كونه معصية ستجلب الهزيمة.

واستحضر مقتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن قائلا والأسف غلب على تقاسيم وجهه ونبرة صوته “عندما أُستشهد بن لادن لازمت منزلي وفترت همّتي لاقتناعي أني قد قمت بمعصية جلبت لنا كارثة تمثّلت في ضرب حربة الإسلام الموجّهة للكفّار”.

أوهمت الأمير باقتناعي بما قاله وغادرت مع أخويّ اللذين ظلا يرجوان الله مساعدتهم على الإقلاع عن التّدخين محيط الجامع بغية إيجاد مكان آخر شرب السجائر واحتساء قهوة بعيدا عن الأعين.  

وجدنا ضالّتنا على الطريق الرئيسي، كانت المقهى تعجّ بالسلفيّين فالتحقنا بإحدى المجموعات “العاصية للقوانين الإلهيّة”، فوجدتهم يتجاذبون أطراف الحديث بخصوص معاركهم المقبلة ويظهرون حماسة وتوقا لمواجهة الطّاغوت وسحقه.

تبجّح بسحق الكفّار

حديثهم لم يكن خالي من التبجّح ولكن ليس بمال أو جاه، بل بما قاموا به لمواجهة الكفّار من شاربي الخمر وكل ما يُذهب العقل، وأيضا الإعلاميّين وكل من يعتبرونه معاديا للدّين الإسلامي. وكلّما سرد أحدهم أطوار هجوم على بائع خمر أو مركز شرطة، أردف الحاضرون “اللّه أكبر”.

أحدهم كان فارع الطّول، عظيم البنية، أسمر البشرة، طويل اللّحية وأكثرهم عدائيّة وحماسا للمواجهة المنتظرة، لكنه مع ذلك لا يخلو من حس الدعابة.

هو يدعى حمودة، وهو من متساكني محافظة سوسة السّاحليّة، كان يشحذ عزائم إخوانه ويبشّرهم بالتحاق بعض أبناء حيّه الأقوياء الجبابرة مستهزئا برجال الأمن وما ينتظرهم.

السمع والطّاعة

كانت تلك آخر مرّة يغادر المرابطون فيها الجامع على مرأى من الحرّاس، فبعدها أصدر”الأمير زياد” أمرا يحظر مغادرة المكان خوفا على “إخوانه” أبناء التيّار السلفي الجهادي من رجال الامن الذي تكثّف تواجدهم بمحافظة القيروان. ويعتبر الأمير أنّه وليّ أمرهم ومن واجبه، الذي سيسأله عليه أمام اللّه، المحافظة عليهم.

لم يكن أحد يتجرّأ على إعلان عدم الموافقة على قرار “الأمير زياد”، فهذا يعتبر عصيانا للّه، فطاعة الأمير من طاعة اللّه ومن يعصي الأمير يعصي اللّه.

“السّمع والطّاعة” كانت المفردة الاكثر استعمالا خلال الخطب التي يلقيها الأمير أو نائبه وتعني تنفيذ الأوامر دون نقاش أو حتّى تفكير. لذلك كان بعض المدمنين على التّدخين يخرجون خلسة، من الباب المخصّص لدخول النّساء، لشرب بعض السجائر في غفلة من الحرّاس ومن أعين إخوانهم الذين لن يتوانوا عن منعهم إن اكتشفوا أمرهم، فعصيان الأمير يجلب عقاب اللّه وويلات للجميع.

على جثّتي

في اللّيل، لم أعد و”الأخ حسام” نستطيع التّحمّل أكثر، فقرّرنا المغامرة وإيجاد مكان ندخّن فيه و لن يكون بداخل الجامع.

اقترحت عليه أن ندخن في دورات المياه، فنهرني حسام بشدّة قائلا “اعوذ باللّه، هل تريد تدنيس بيت اللّه”. شرعنا في تجاوز الحواجز البشريّة، لم يكن أي شبر في الجامع شاغرا، وظللنا نجول وسط استياء الإخوة من إقلاقنا راحتهم حتى وجدنا منفذا.

فور لمس “الأخ حسام” لقضبان الباب انتصب أحد “الاخوة” من نومه، و كان يرتدي قميصا أبيض وطويل اللحية، واعترض سبيل حسام ونهره بشدّة عن الخروج ومخالفة أمر “الامير زياد”، قائلا بلهجة فيها تحدّي كبير وولاء أكبر “لن أسمح لكما بالخروج ومعصية الأوامر إلا على جثّتي أو بأمر الأمير لي بذلك”.

استشاط الأخ حسام غضبا ولكنّه تراجع نحو الخلف ربّما لاقتناعه بأن اخاه، الذي تدلّ لهجته على انحداره من أحد مدن الجنوب، كان محقّا، فعاد أدراجه وانا من خلفه متّجهين إلى المكان المخصّص لنومنا وسط شخير إخوة قدموا لتوهم بعد طول سفر.

ليلة المعركة

ليلة اليوم الموعود، تاريخ عقد مؤتمر تنظيم أنصار الشريعة، لم ينم أغلب المرابطين، فبعد صلاة العشاء سخّروا وقتهم للدّعاء والتضرّع للّه لجلب النصر خلال معركتهم ضد الطاغوت أو الشهادة. ولم يغلق باب الجامع لنصف ساعة متتالية، فحشود المتوافدين لم تتوقّف.

بعضهم قدم مشيا من محافظات بعيدة وقد كان استقبالهم حارّا عبر العناق والهتاف بعبارة “اللّه اكبر” والتلويح برايات الجهاد، فكلّما زاد عدد الإخوة اشتدت الحماسة والأمل في النّصر.

إيمانهم بما يعتقدون كان عميقا، فالاستعداد للموت في سبيل ما يعتبرونه دفاعا عن الإسلام كان واضحا على أغلبهم، يغذّيه من حين لآخر الخطب التي يلقيها الشيوخ داخل المسجد التي تتلخّص في إظهار الأمن والجيش والحكومة (الطاغوت) بمظهر العدوّ والخطر المحدق بالإسلام تصل الى حدّ  إخافة الأنصار من سبي نسائهم في حالة الهزيمة.

احتطاب

كنت حينها أتجوّل وسط باحة المسجد فلمحت “الأخ حسام” وسط مجموعة من السلفيّين فجلست حذوهم لأشاركهم حديثهم، كان الموضوع آنذاك عن الإحتطاب، لم أكن لأفهم معنى المفردة فهمست بأذن حسام مستفسرا عن الأمر.

 فما كان منه إلّا أن أوضح بصوت سمعه الجميع “الإحتطاب يعني أخذ ما يملكه الكفّار والمرتدّين عن الدّين الإسلامي على أرضنا ولو بالقوّة” فأجبته ممازحا لإخفاء دهشتي “إذن لنغزو سوق البركة –سوق الصائغين واغلبهم من اليهود التونسيّين- لنحتطب بعض الذّهب”. 

مراوغة وإنتصار

صبيحة الأحد 19 أيار/ماي، موعد عقد المؤتمر،  تجمّع كل المرابطين بباحة الجامع منتظرين قرار “الامير زياد” إمّا الخروج لمواجهة العدوّ او مواصلة التحصّن بالجامع.

ولكن المفاجأة كانت بإعلانه بفخر عن إقامة المؤتمر، الذي أعلن وزير الداخليّة نيّته منعه بكل الطرق، ولكن مع تغيير المكان حيث تقرر عقده بمنطقة حي  التضامن (احد معاقل السلفيّة الجهاديّة بضواحي العاصمة). 

علا صوت التكبّير والهتاف داخل الجامع بعديد العبارات منها إعلان المبايعة لقائد أنصار الشريعة المكنّى “ابو عياض” (مطلوب من وزارة الدّاخليّة). وارتفعت الشعارات “أوباما، أوباما، كلّنا أسامة (أسامة بن لادن)”.  وبدأت غبطة النصر تتسرّب بين المرابطين فقد راوغت قياداتهم الأمن والحكومة وغيّرت مكان عقد المؤتمر دون علمهم.

لكن هذه النّشوة لم تدم طويلا فقد بلغهم تعرّض “إخوانهم” بمنطقة حي التضامن لهجوم الامن فبدت عليهم رغبة التحوّل للمكان كبيرة، لكن بين ما يرغبون به وأوامر “الأمير زياد” هوّة، فلم يسمح لهم بالمغادرة قبل استكشاف الطّريق وتأكّد خلوّه من رجال الشرطة الذين بدأوا بالتحوّل للعاصمة أين يعقد أنصار الشريعة مؤتمرهم.

تململ ثم عصيان

في حدود السّاعة الثالثة، ظهرا، بدأ التململ يظهر على وجوه بعض المتواجدين، بعد بلوغهم أنباء عن مواجهات عنيفة بين إخوانهم ورجال الامن. ثم تطوّر الأمر ليصبح محاولات للتسلّل ثم إعلانا للرغبة في مغادرة الجامع، فلم يعد هناك أي داعٍ للتحصّن بداخله ممّا خلق حالة انقسام بين أغلبيّة داعية لطاعة الأمير وملازمة الجامع إلى حين إذنه بالمغادرة وآخرين متحمّسين للالتحاق بساحة المواجهة بالعاصمة.

الأخ حسام كان يبدو عليه التشنّج فلم يستطع اتخاذ قرار محدّد، فهمت من كلامه أنه يتأرجح بين وجوب طاعة “الأمير زياد”، الذي أمر بملازمة الجامع إلى حين تأمين الطّريق، ورغبته الملحّة في المغادرة والتحوّل إلى “جبهة القتال” في حيّ التضامن لنصرة إخوانه في مواجهة العدوّ.

بمرور الدقائق وتوارد انباء عن حملة الاعتقالات التي طالت “إخوانهم” بحي التضامن، تزايد التدافع أمام الابواب التي يحرسها سلفيّون أشدّاء، لكنهم لم يقووا على صد حماس وتململ “الرّعيّة” التي أخذت تغادر الجامع أفواجا أفواجا وكان “الاخ حسام” من بينهم، ولم يكن أحدهم يعلم أن قياداتهم قد أجّلت المؤتمر إلى موعد غير معلوم.