“رقصة في ميدان الشهداء عام 2011 قبل تحرير طرابلس دفعت ثمنها غالياً من عمري”، هكذا عبرت نهلة (34 عاماً) عن شعورها بالمرارة مما حدث لها بعد القبض عليها يوم 20 سبتمر2011 بتهمة “حيازة سلاح بدون ترخيص وإثارة الفتنة وقمع المتظاهرين والقتل جُزافاً” وهي تهم برأتها منها المحكمة عام 2016.

براءة في النهاية

نهلة، التي تربت في دار لرعاية الأيتام منذ ولادتها عام 1983 تكفلت بها عائلة فخرجت من الدار وهي طفلة عمرها عامان لتعود إليها بعد تسع سنوات بسبب وفاة الكفيل، وبعد عامين تزوجت وهي تبلغ من العمر 13 عاماً إلا أن زواجها لم يستمر طويلاً ففضلت العيش خارج الدار حيث استأجرت منزلاً وعملت لتعيل نفسها حتى عام 2011 حيث قبض عليها بسبب ظهورها في مظاهرات دعم القذافي.

وقد رفضت أن يستخدم اسم مستعار لها في التقرير، حيث لن يفيدها إخفاء شخصيتها بعد أن تنقلت بين المجالس العسكرية والكتائب المختلفة التي شكلت في طرابلس بعد 2011، وتعرضت لمختلف أنواع التعذيب في تلك الأماكن دون أن يتم عرضها على النيابة أو المحكمة، لتستقر أخيراً في سجن الرويمي كسجينة سياسية.

بعد ثلاثة سنوات (تحديداً في عام 2014) تم تحويلها لسجن الجديدة الذي يتبع وزارة العدل، حيث زارتها بعض المنظمات الحقوقية الدولية للاطلاع على أوضاعها، “لكن لم يتحسن شيء في السجن إذ استمر التعذيب والضرب حتى خرجت” تقول نهلة.

بعد ذلك، عُرضت على النيابة وجرت محاكمتها في محكمة جنوب طرابلس وحصلت على البراءة عام 2016، وخرجت من السجن لتجد نفسها في الشارع “بدون عمل أو سكن أو حتى اعتذار، ولم تقبل بوجودي في بيتها إلا إحدى مغنيات الأعراس (زمزامة)”، تقول نهلة.

عذاب واغتصاب

لا تختلف قصة نهلة كثيراً عن قصة سلوى، وهي سيدة مطلقة وأم لطفلين كانت تعمل موظفة في أحد البنوك، وانتسبت قبل الثورة لجهاز الحرس الشعبي (أحد الأجهزة الأمنية التابعة لنظام القذافي) وقبض عليها بعد الثورة، لتتنقل بين المجالس والكتائب العسكرية وتتعرض “لأنواع مختلفة من العذاب والاغتصاب” حسب قولها، قبل تحويلها إلى سجن الجديدة عام 2012 بتهمة “حيازة سلاح بدون ترخيص وحجز حرية مواطن والقيام بتشكيل عصابة”، وهي كذلك تقول بأن تهمها “باطلة”.

حكمت المحكمة على سلوى بالسجن أربعة سنوات “تعرضت خلالها للضرب داخل السجن، وخرجت بعد انتهاء ثلاثة أرباع المدة لحسن السيرة والسلوك” تقول سلوى التي لا تستطيع اليوم العودة لمدينتها، وتعيش في مخيم للنازحين من سكان تاورغاء مع طفليها.

سنوات دون محاكمة

داخل مؤسسة الإصلاح والتأهيل الجديدة قابل “مراسلون” انتصار الموقوفة في سجن النساء منذ خمس سنوات بتهمة قتل زوجها، والتي يتم تأجيل محاكمتها كل مرة دون سبب واضح فيما القانون لايسمح بإيقاف متهم أكثر من خمسة عشر يوماً، “لا توجد أية أدلة في ملف القضية، عندي خمسة أطفال تشردوا، ولا أعرف سبب المماطلة” تؤكد انتصار.

لكنها ليست الوحيدة الموقوفة هناك دون محاكمة، فيوجد غيرها موقوفات منذ خمس وست سنوات ينتظرن أن تتم محاكمتهن، ويعشن في ظروف سيئة “لا أتحدث عنها لأني أعرف ظروف البلاد وقلة السيولة” توضح انتصار.

احتجاز السجينات في السجون لسنوات بدون محاكمة هو أمر “مقلق جداً” حسب مقرر اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان أحمد عبد الحكيم حمزة، وهو يقود لاكتشاف أن “معظم السجون الليبية لا تلتزم بالقانون رقم 5 لعام 2005 الخاص بمؤسسات الإصلاح والتأهيل، والذي يضمن ويفصل حقوق السجناء كحق السجين في إجازة لمدة ثمانية أيام في السنة وإبلاغ محامي السجين بأي إجراء يتخذ بحق موكله، ويمنع إيقافه على ذمة القضية أكثر من 15 يوماً”.

يقول حمزة لـ”مراسلون” إنهم كمؤسسة حقوقية وجهوا طلباً للشرطة القضائية للسماح لهم بزيارة السجون والوقوف على وضع السجينات، ولكنهم “حتى الآن لم يسمحوا لنا بالزيارة دون إبداء أسباب”.

أرقام متضاربة

إلا أن ذلك لم يحجب عنهم المعلومات فهم يتابعون ما يتعلق بالسجن والسجينات “عن كثب” حسب قوله، ولديهم إحصائيات يصفها بـ”الدقيقة” توثق عدد السجناء والسجينات وحالاتهم، وكل ذلك من مصادر يعتمدون عليها “يعملون داخل السجون”.

حسب حمزة فإن عدد السجينات في سجن مؤسسة الإصلاح والتأهيل الجديدة هو 372 سجينة بينهن عربيات وإفريقيات، وفي مؤسسة الإصلاح والتأهيل معيتيقة 70 سجينة بينهن 20 امرأة يتبعن تنظيم داعش، ومن الصعب إيجاد إحصائية بعدد السجينات في ليبيا كلها، لأن “كل جهة تعمل منفردة ولايوجد توثيق أو إحصاءات رسمية” وفقاً لحمزة.

أعداد السجينات التي يعرضها حمزة تختلف كثيراً عما تعرضه إدارة السجن من أرقام، فعدد السجينات حسب تصريح العقيد نجاة بو حليقة مديرة سجن الجديدة للإصلاح والتأهيل لـ”مراسلون” لا يتجاوز 55 سجينة.

وقد أعطت بياناً مفصلاً بجنسيات وجرائم السجينات يوضح أن عدد المسجونات بتهمة القتل العمد (8 ليبيات + 1 عربية + 2 من جنسيات إفريقية) وهن موقوفات بانتظار صدور أحكام بحقهن.

المسجونات بتهم تعاطي المخدرات أو المتاجرة بها (17 من جنسيات إفريقية بينهم 12 موقوفة بانتظار المحاكمة و9 محكومات تتراوح مدة عقوباتهن بين 5 إلى 7 سنوات).

سجينات بتهمة السرقة (4 ليبيات + 1 إفريقية)، وبتهمة ممارسة الدعارة (4 ليبيات + 8 بين مغربيات وتونسيات)، وبتهمة المواقعة أو ممارسة “الزنا” (5 ليبيات + 1 إفريقية)، بالإضافة لسجينة واحدة بتهمة الخطف وإتلاف الممتلكات، وواحدة بتهمة التزوير وواحدة بتهمة حيازة السلاح وأخرى بتهمة النصب والاحتيال محكوم عليها بالسجن لمدة 12 عاماً، وأخيراً فتاة أفريقية مسجونة بسبب شرب الخمر وليبية متهمة في سبع قضايا.

وتؤكد العقيد بو حليقة أنه “لم يعد هناك سجينات سياسيات في سجن الجديدة، حيث تم الفصل في قضاياهن جميعاً وتم الإفراج عمن قضت عقوبتها وبينهن واحدة توفيت في السجن”.

السجينات الأجنبيات

أما السجينات الأجنبيات “لا يوجد أي تواصل مع سفاراتهن” وفق مديرة السجن، التي أوضحت أن سفارة نيجيريا كانت تتواصل مع السجن ثم “توقفت منذ أحداث المطار عام 2014، وكانت السفارة الإيطالية تزورنا لوجود سجينة إيطالية بالسجن وتم الفصل في قضيتها وأفرج عنها منذ أسبوعين، أما الآن فلا تزورنا أية سفارة”.

ويتدخل العقيد صالح  المقرحي رئيس وحدة شؤون النزلاء ليوضح أنه “يحق للسجينة الأجنبية  أن تطلب التواصل مع سفارتها ونحن نوصل رغبتها، لكن السفارات لا ترد أو أنها غير موجودة في البلاد بسبب الظروف الأمنية”.

ويضيف أن بعض السجينات الأجنبيات “لديهن أطفال فوق سن الثانية ولازالوا موجودين في السجن رغم أن هذا مخالف لقانون السجون، لكننا لا نستطيع إخراجهم لأن دور الرعاية لا تقبل الأطفال الأجانب ولا الأطفال المصابين بالإيدز إلا إذا كانوا ليبيين”.

لسنا مسؤولين

إدارة السجن خلال الحديث مع “مراسلون” نفت علاقتها بمسألة التوقيف دون محاكمات، فهذا أمر تختص به “النيابة والقضاء” حسب قول مديرة السجن، ونفت بشكل قاطع أيضاً اتهامهم بممارسة الضرب والتعذيب بحق السجينات، موضحةً أنه عندما تأتي النزيلة من مراكز الاحتجاز “نقوم بتفتيشها بالكامل ويتم توثيق الاستلام بحضور أفراد من المركز الذي أحضرن منه”.

وتقر بو حليقة أنها لا حظت بينهن من “يصلن وعليهن بعض الكدمات وآثار ضرب تعرضن له في مراكز الاحتجاز”، لكنها تستدرك بالقول إن هذه الأضرار “ليست كبيرة لدرجة أن نتدخل وننقلهن للمستشفى، بل تكون سطحية، ويتم ضربهن للحصول على معلومات واعترافات منهن، لكننا لا نعتمد الضرب داخل سجن الجديدة، والعقوبات التي نتخذها بحق من تخالف التعليمات عادة ما تكون العزل الانفرادي” تقول مديرة السجن.

وتشير إلى أنه “توجد أخصائيات اجتماعية ونفسية، كما توجد عيادة داخل المؤسسة وإذا احتجنا لطبيبة نفسية، نستدعيها بالتعاون مع مستشفى الرازي للأمراض النفسية، ونجري للنزيلات الكشف عن الدرن كل 6 أشهر بالتعاون مع مستشفى الدرن، ومعظم الأدوية نجمع ثمنها من الموظفين لأنه حتى ثمن النثريات يأتينا مرة كل ثلاثة أشهر”.

أما مريضات السكر “فيأتيهن العلاج مجاناً وفي حالة المرض ننقلهن بسياراتنا الخاصة للمستشفى”، والسجينات المصابات بالإيدز عددهن “ثماني سجينات نحتجزهن لوحدهن، لكن في الفترة المسائية يختلطن بباقي السجينات” وفق بوحليقة.

وفي إطار سرد حقوق السجينات يقول المقرحي إنه “يحق للمحكومات الخروج في إجازة أربعة أيام في السنة، تأخذها السجينات عادةً في الأعياد، كما يقمن بالعمل داخل السجن في أعمال الطبخ والتنظيف مقابل مرتب، ولهنّ الحق في إجراء مكالمة تليفونية أسبوعياً لكن من نجد عندها هاتفاً محمولاً تعاقب باحتجازها في الانفرادي”.

ورغم أنه لا يوجد دليل على أن هذه الحقوق تعطى للسجينات أياً كانت أعدادهن أو ما ارتكبنه من جرائم، إلا أن بقاءهن سنوات دون الخضوع لمحاكمات يُعد مؤشراً واضحاً على مدى اهتمام الجهات المعنية ودرجة حرصها على أداء واجباتها ومنح السجينات حقوقهن كاملةً.