في طفولتي، كان العالم واضحًا جدًا، يمكنك أن تختزله كاملًا في كشاكيل حصص الرسم، حتى لو لم تكن تجيده.

من السهل دوما أن ترسم شمسًا، مجرد دائرة في شرق الورقة البيضاء، خطوط مستقيمة بيدٍ مهتزة، كرموش صناعية، لكنك تقصد أنها شمس تُضيء. قد تضيف داخلها نصف دائرة أخرى قعرها لأسفل لتمنحها ابتسامة. حتى لو كانت صفراء بلون الخبث والنار. ولم تكن هناك مشقة  في أن تقبض على الوطنية، بأن ترسم صندوقًا ، وتقول لمن لم يفهم الرسم البائس أنك تقصد دبابة في حرب. يمتد منها خطان متوازيين. تعرف أنت وحدك أن اسمها فوهة، ثم تجعل الفوهة في اتجاه عدو.. وللغرابة هذا العدو لم يكن –في هذا الوقت-  نحن.

***

الوطنية… سرٌ مهيب في صندوق فارغ، إدانة بلا استئناف.

***

منذ 2011، وكل شيء في الوطن يتحرك بخليط من رائحة الموت والأمل.  كان ذلك مزيجًا غريبًا، مربكًا، محيرًا: الموت من أجل الحياة، الحياة كحركة عبثية دؤوبة للأمام دون هدف أو خطة أو تكتيك، كفوضى كونية عارمة. كزلزلة رهيبة، تصنع ضجة، لكنها لا ترغب في أن تقول شيئًا. كانت فقط تصنع الشقوق، ولا تنتصر، بل تفشل، في كل خطوة إلا من أفعال القيامة.

ما القيامة إلا بصقة كبيرة، محو هائل. ربما لم تكن الثورة بهذا المعنى إلا لعثمة على لسان الرعد، محاولة للقبض على معنى عصي أو اللامعنى الجاثم فوق صدر مليون كم متر مربع عدا جزيرتين.

مدٌّ هائل لم ينجح في دفع روح من الأسمنت، البناء الذي تصدع دون أن ينهار، لكنه صار مكشوفًا على قبحه، لكن وبعد أقل من عامين صارت رائحة الموت مخلوطة بشيء آخر، بالفضيحة كحدث يومي.

ربما حماة السور، واثقون كأغصان ميتة، كأحجار خرقاء في طريق عار. لكن معهم وبهم، تكتمل الزلزلة، وينكشف الرعب. أما الأمل فقد صار عار صاحبه.

****

الوطنية تحتاج إلى محبين، لكنها تكون أكثر صلابة، عندما يكون العدو واضحًا. ولم يكن هناك أوضح من مبارك، كان هذا انقلابًا على مالك الصك أو استعادة لأصل الفكرة الغائمة. أن ترغب في وطن أفضل، طموح، يتسيد فيه العدل والحرية وأفكار أخرى وثنية كتلك. لكن في حقيقة الأمر. كان مبارك وأنصاره يتسلحون بنفس اللعبة أيضا: الوطنية. وخلف الخط الفاصل للخونة والمتآمرين، نقف نحن لا هم. لكن ما انتصرت فكرة رحيله، كنا أصبحنا نحن الوطن والوطنية. ثم استعاد مُلَاك الصك ما لهم، بهزيمتنا الفادحة. الوطنية إذن وهم المنتصر.

*****

ربما يمكن أن أعرف المشاعر الوطنية بأنها الحماس أو الإيمان أو الغضب أو الحزن. في حالات فشل الوطن أو التآمر عليه أو المساس بسيادته ومقدراته أو هزيمة منتخبه الكروي. الوطنية هي الحماسة، الهيستريا الجماعية، فصام العظمة والدونية. يمكنني أن أدرج الاستسلام لقدوم هزيمة فادحة، عقب كل شبهة نصر، كأقوى المشاعر الوطنية الممكنة.

***

ربما لم يكن هناك شعوب، ولم نكن سوى قوى شيطانية هائمة، مرعبة كسيل، كإعصار، فوضى قاصمة، وكان لابد من اختراع كلمة لاحتواء الأمر. في البدء كانت إيماءة فاشية، ثم خلق الجنرال الشعوب.

***

كلما سرقونا، قتلونا، كان بإمكانهم دومًا أن يصيغوا جملة تجعل الأمر شاعريا.

***

عندما جاءت تلك الفكرة إلى المثقف النبيل، والشاعر النابغة، والنحات الموهوب، قال لنفسه، ليست فكرة سيئة، بل عبقرية تمامًا: أن نجعل الوطن أمًا، له أثداء متدلية من أثر العطاء. أمٌ خالقة، تهب الحياة، الرعاية، عطاءها ممتد وبلا مطالب، هكذا ارتعش المثقف من أورجازم البلاغة. لقد اقتنص  تلك الفكرة من الثقافات السحيقة والحضارات العظيمة، وحولها مع التكرار اللانهائي من الهول إلى التفاهة.

لا يجب أن نقسو عليهم، فربما لم يروا فرجها المسنن، شبقها الدائم لابتلاع أبنائها، ثم اعترفوا، اعترفوا أخيرًا أنها ملت من العطاء، وأنها أدت ما عليها، كأرملة طروب. وآن الآوان لتأخذ لا لتهب. كما أن الأب، الزعيم، الجنرال الآتي مفوضًا من القدر، يحتاج إلى زوجة بجواره، كي يصير مثلها خالق شعبه. ربما نسوا، أن الأب، كان ابنًا للوطن، وأنه بترقيه كأب للجميع، فقد ضاجع أمه. لذا يفقأ الجنرال عينيه في عقاب أوديبي. ألم يقل آخرهم أننا نور عينيه؟

***

ماذا لو أردت الفرار؟ في شرق الخريطة لا شيء إلا حرب ضروس وعدو لا تصوب نحوه الفوهة، وفي الشمال بحر يمتص رحيق الجثث، ثم يلفظها من جديد جافة وميتة. وفي الغرب رمال كثيفة كغطاء لمقبرة جماعية. كي تصل إلى الجنوب عليك أن تعبر متاهة من المنافي. في نهايتها: مختل آخر.

**

من ينجو من الكمين، يشكر الرب إلهه. ربما يظن أنها مكافأة لاتباع وصاياه: كأن لا تشهد زوراً ضد جارك أو أن لا تشتهي زوجة جارك، أما وصايا الجنرال فمربكة، كتلك الوصية: أبلغ عن جارك إن ارتبت فيه أو اشتهيته.

 

تصوير: صبري خالد