يمكن توفير 20 مليار متر مكعب من المياه تقريبا، إذا تحولنا من الري بالغمر إلي الري بالتنقيط..” هكذا بدأ الدكتور محسن جامع أستاذ الأراضي والمياه بكلية الزراعة جامعة أسيوط حديثه لـ”مراسلون” حينما سألناه عن إمكانية ترشيد استهلاك المياه في ظل نقص حصة مصر من المياه عقب انتهاء بناء سد النهضة الإثيوبي.

 ***

في أكثر الدراسات تفاؤلا ستفقد مصر 6 مليارات متر مكعب من المياه سنويا بعد بناء سد النهضة وهذه الكمية تروي بالغمر مليون فدان تقريبا، وهو ما يعني بوار الأرض وفقدان الوظائف وتشريد ملايين الأسر، بالإضافة إلى نقص سلة مصر الغذائية التي لا تكفي الاستهلاك المحلي وستضطر الدولة إلى استيراد إنتاج مليون فدان زراعي لسد حاجة السوق.

وحتى الآن لم تقدم الحكومة المصرية حلولا للأزمة التي تفجرت في عام 2011 بعد أن أعلنت إثيوبيا عن نيتها لبناء السد، والشهر الماضي أعلنت عن بدء مرحلة ملء خزان السد في أول يوليو، ومع عدم وجود مصادر بديله لتعويض حصة مصر من المياه يجب أن نبحث عن بدائل كان أهمها ترشيد استهلاك المياه.

 

موارد المياه

يقول الدكتور محسن جامع، إن إجمالي موارد المياه لدينا في مصر 76.6 مليار متر مكعب تقريبا من مياه النيل والأمطار والمياه الجوفية ومعالجة الصرف الصحي وتحلية مياه البحر، منها 55.5 مليار متر مكعب خاصة بنهر النيل، والباقي من غيرها من المصادر، ونستخدم حوالي 63.3 مليار متر مكعب من المياه في الزراعة، أي ما يمثل 85% من موارد المياه لدينا، والباقي نستهلكه في أغراض الطعام والشراب والصناعة وغيرها من الاحتياجات الأخرى.

وهناك دراسات وأبحاث قدرت استهلاك الفرد من المياه بـ135 لتر يوميا، أي ما يعادل 36 ألف متر مكعب سنويا، وإذا ضربنا هذا الرقم في متوسط عدد السكان (90 مليون) يكون حجم استهلاك المصريين من المياه سنويا 3 مليارات و240 مليون متر مكعب تقريبا.

يضيف جامع نحن مقبلون على مرحلة فقر مائي وندرة ومشكلات في المياه، ولابد من استخدام وسائل غير تقليدية للحفاظ عليها، وقد أجريت دراسات حول هذا الأمر، ولذا لابد من استخدام محاصيل تستهلك مياها أقل، فصعيد مصر يزرع قصب السكر، وهو يستهلك نحو 9 آلاف متر مكعب من المياه سنويا، وفي حالة استبداله بمحصول البنجر سنوفر نحو 2500 متر مكعب من المياه، لأن معدل استهلاكه في المياه يقدر بنحو 7560 متر مكعب، علما بأن القصب لا يمكن زراعة أرضه سوى مرة واحدة في العام، لأنه يظل في الأرض 12 شهرا، بينما البنجر يمكث في الأرض 6 شهور، وبالتالي يمكن زراعة الأرض بمحصول آخر، هذا ويمثل البنجر نحو 30% من إنتاج السكر في مصر، والباقي من القصب والاستيراد، حيث تستورد مصر نحو 25% من استهلاكها تقريبا.

ويضيف الدكتور مسعد زكي، أستاذ المحاصيل بكلية الزراعة جامعة أسيوط، أنه علينا استنباط أنواع جديدة من المحاصيل التي تتحمل العطش والملوحة، لأن الأراضي الجديدة بها نسبة غير قليلة من الأملاح، وبالنسبة لأهم المحاصيل المستهلكة للمياه في مصر فهي الأرز، وتتوطن زراعته في شمال الدلتا، وقصب السكر وتتوطن زراعته في الصعيد، ويمكن تقليل زراعة قصب السكر لحساب البنجر، حيث إن محصول البنجر من المحاصيل التي تتحمل العطش والملوحة، ومدة زراعته أقل من القصب، بينما يمكننا ترشيد استهلاك المياه بالنسبة للأرز باستنباط أصناف جديدة تحتاج إلي كميات مياه أقل، وفترة بقاء في الأرض أيضا أقل، وبالتالي ينخفض استهلاك المياه، والحكومة قللت في الآونة الأخيرة مساحة الأرض المزروعة بالأرز إلي 1.2 مليون فدان تقريبا، ترشيدا للمياه.

 

طرق ري حديثة

وعن طرق الري في مصر يقول الدكتور مصطفى أحمد جابر، المدرس المساعد بجامعة الأزهر فرع أسيوط، إن 80% من المزارعين يستخدمون الطرق التقليدية في الزراعة كالري بالغمر، بينما تعتمد حوالي 15% من المساحات على نظام الري بالتنقيط، الذي ثبت جدواه علميا في رسالة الماجستير التي قمت بإعدادها في شهر مايو الماضي تحت عنوان ” الآثار الاقتصادية لاستخدام طرق الري المختلفة في الأراضي الجديدة”، وأظهرت أن الري بالتنقيط أفضل كثيرا من الري السطحي، لأنه يوفر في كميات المياه المستهلكة، وأيضا تكلفة الإنتاج، وقد عقدت مقارنات على محصولين هما الذرة الرفيعة والطماطم، حيث بلغت تكلفة زراعة فدان الذرة الرفيعة عن طريق الري بالسطحي 5275 جنيها، بينما بالتنقيط 4663 جنيها، وبالنسبة للطماطم 14090 جنيها للري السطحي، و13750 للري بالتنقيط -ليس هذا فحسب- وإنما ثبت علميا أن الري بالتنقيط يؤدي إلي زيادة إنتاجية محصول الذرة الرفيعة بمقدار1.84 أردب/ فدان، ومحصول الطماطم بمقدار10.3 أطنان/ فدان.

ويشرح الدكتور محسن جامع، كيفية رفع كفاءة الاستهلاك المائي في مصر بإتباع طرق جديدة في الزراعة بخلاف طريقة الغمر، التي تقل فيها كفاءة استهلاك المياه بمعدل 40 إلى 50% عن مثيلاتها، أي أن ما يصل إلي الأرض فعليا في الري تقريبا نصف الكمية المنتجة، والباقي يهدر في صورة بخار ورشح، ويقول وزارة الزراعة تحاول منذ 1974 تطوير نظم الري، واستحدثت لذلك 3 وسائل هي الري بالأنابيب والمواسير وهذا النظام يقلل الهادر من المياه من 60 إلى 70% تقريبا، والنظام الثالث يتمثل في الري بالرش، ويجدي هذا النظام نفعا في المحاصيل كثيفة الزراعة مثل القمح، ويقلل المهدر من المياه بنسبة من 70 إلى 80%، والنظام الأخير هو نظام التنقيط، ويصلح هذا النظام لجميع المحاصيل، التي تزرع على خطوط مثل البساتين والذرة والخضروات والمحاصيل الزيتية كالفول وعباد الشمس، وتقل نسبة الفاقد في النظام إلي 90% تقريبا، وبالتالي ينصح باستخدامه لدينا في مصر.

 

مصادر مياه بديلة

استهلاك مصر الحالي من المياه يبلغ 110 مليارات م3، وهناك أزمة حقيقية في توفير المياه، لذلك تتجه الوزارة لمعالجة مياه الصرف الصحي غير الملوثة، لتغطية احتياجات المواطنين من المياه، وتحلية مياه البحر، لتنمية المناطق الساحلية”.. كانت تلك تصريحات وزير الري الدكتور محمد عبدالعاطي، منشورة في صحيفة المصري اليوم في مطلع شهر يناير /كانون الثاني الماضي، يتحدث فيها عن استخدام مصادر مياه بديلة، لتدارك أزمة المياه في مصر.

يقول  الدكتور جامع مشكلة سد النهضة أعادتنا إلى ضرورة الاستفادة بمخزون المياه الجوفية لدينا خاصة في الوادي الجديد، وعلى الدولة أن تقوم بتوفير مصادر الطاقة الجديدة كالشمس والرياح لإنتاج الكهرباء من أجل استصلاح الأراضي هناك، لأن المياه موجودة على أعماق بعيدة تصل إلي 1000 متر، وبالتالي فإن استخدام المحروقات في الري أصبح عملية مرهقة للمزارعين، وعلينا أن نستفيد من الطاقة الشمسية والرياح في استخراج المياه من باطن الأرض، لأن هذا هو المستقبل، ورفع كفاءة استخدام المياه بتطوير أساليب الري من الغمر إلي الرش والتنقيط، واستخدام المياه المالحة في زراعة محاصيل مثل البنجر والنخيل، واستخدام إستراتيجية جديدة لإدارة مصادر المياه غير التقليدية كمياه البحر، وتحليتها بأسعار منخفضة، والاستفادة منها في الزراعة.

 

تصوير: سيد داود واراب