ضمن مسودة الدستور التونسي الأولية أدرجت لجنة الصياغة فصلا يجرّم الاعتداء على المقدّسات الدينيّة. وبهذا يبحث الدستور المرتقب عن توازن وهميّ بين مفهومين متناقضين هما حريّة الإبداع وعدم جواز المسّ من المقدّسات.

نسبيّة المقدّسات

تتضمّن مسودّة الدستور التونسي إشارات عديدة للدّين الإسلامي (مبادئ دين الإسلام وثوابته، دين رئيس الدولة، تجريم التّعدّي على المقدّسات…). وقد استغل نواب حركة النّهضة الإسلامية ( 89 من مجموع 217 نائبا) أحداثا متفرّقة لإثبات أنّ مقدّسات الشعب تواجه خطرا حقيقيّا نتيجة الحرّية المطلقة للإبداع.  

ضمن مسودة الدستور التونسي الأولية أدرجت لجنة الصياغة فصلا يجرّم الاعتداء على المقدّسات الدينيّة. وبهذا يبحث الدستور المرتقب عن توازن وهميّ بين مفهومين متناقضين هما حريّة الإبداع وعدم جواز المسّ من المقدّسات.

نسبيّة المقدّسات

تتضمّن مسودّة الدستور التونسي إشارات عديدة للدّين الإسلامي (مبادئ دين الإسلام وثوابته، دين رئيس الدولة، تجريم التّعدّي على المقدّسات…). وقد استغل نواب حركة النّهضة الإسلامية ( 89 من مجموع 217 نائبا) أحداثا متفرّقة لإثبات أنّ مقدّسات الشعب تواجه خطرا حقيقيّا نتيجة الحرّية المطلقة للإبداع.  

وبلغ الجدل حول حدود حرية الإبداع أوجه، خاصة بعد حادثة العبدلية، الضاحية الشمالية للعاصمة تونس، في حزيران/يونيو 2012.

ففي ذلك اليوم قامت مجموعة من الفنانين التشكيليين في إطار مهرجان ربيع الفنون بقصر العبدلية بإعداد معرض يضمّ رسوما ومنحوتات لم ترق لبعض المتشدّدين الدينيين. هؤلاء رأوا فيها استفزازا للمشاعر الدّينية واعتداء على المقدسات.

وعلى إثر الحادثة اندلعت أحداث عنف كبيرة، وتباينت المواقف بين من رأى في هذه اللوحات إبداعا فنيا، وبين من اعتبرها اعتداءً على المقدّسات. وجاء بيان حركة النهضة بعيد الحادثة متبنيا الموقف الثاني. فقد اعتبرت الحركة الأعمال الفنّية “تعدّيا على مقدّسات الشعب التونسي، وتجاهلا لأبسط الحدود الأخلاقية بعنوان حريّة التعبير حينا وحرية الإبداع الفني حينا آخر”. هكذا وببساطة شرّعت الحركة لنوع جديد من الرقابة السياسية على حرية الابداع وحددتها بما اعتبرته مقدّسا للشعب التونسي.

عنف لحماية المقدس

إبّان هذا الموقف، وجدت الجماعات المتشدّدة وخاصة السلفيّة منها سببا كافيا لتنصب نفسها شرطة أخلاقية عنيفة. إذ استعملت القوّة لإيقاف عرض مسرحي للفنّان لطفي العبدلّي (عرض عشرات المرّات في السابق) بدعوى أنه يمس بالمقدّسات. كما وقع إيقاف حفل فني أحيته فرقة موسيقية شيعية بمدينة القيروان.   

وفي القيروان أيضا منع المفكّر والفيلسوف يوسف الصّديق من إلقاء محاضرة. كما اعتدى متشدد، على عبد الفتّاح مورو (الإسلامي ذي الخطاب المنفتح)، وذلك في إطار مسامرة موضوعها “التسامح في الإسلام” لما اعتبر شبهة في مدى حقيقة اسلام الشخصين.

وبالتنصيص على ضرورة تجريم الاعتداء على المقدّسات، بدت مسودّة الدّستور لكثير من الملاحظين تمهّد لإخماد حرّية الإبداع مجدّدا. إذ أنّه يصعب تحديد المقدس وضبط مفهومه.

وفي هذا الإطار، قدمت كتلة حركة النهضة، في المجلس التأسيسي، تصوّرها للمقدّسات وهي: “الله سبحانه وتعالى والرسل والأنبياء والكتب السماوية، والسنة النبوية والكعبة الشريفة والمساجد والكنائس والبيع (المعابد اليهودية)”.

أما الاعتداء فعرفته بكونه “السب والشتم والسخرية والاستهزاء والازدراء والتدنيس المادي أو المعنوي وتشخيص الذات الإلهية والرسل”.

وتجدر الملاحظة هنا الى المخاطر التي تتضمنها هذه التعريفات حيث أنها تتبنى مفهوما واسعا لماهية  الاعتداء لدرجة أن ابتسامة تهكمية قد تدخل صاحبها تحت طائلة العقاب فما بالك بالرسوم الكاريكاتورية والمقالات الفكرية.

كما أن هذه المقدّسات التي وقع ذكرها لا تشمل المسلمين جميعا بل لمن يتبنى منهم المذهب السني لأن المذهب الشيعي يبيح بعضها.

علاوة على ذلك فإن المسودة التي تنصّ على حرية المعتقد لم تشمل حمايتها إلاّ الديانات الثلاث الكبرى وبالتّالي فضّلت معتقدات على أخرى واكتفت بحرية ممارسة الشعائر الدينية فحسب.

الغايات

يرى كثير من الناشطين الحقوقيين أن التبريرات المقدمة لحصر مجال حرية الإبداع باحترام المقدّسات هي تبريرات واهية. ويعتبرون أن الحديث عن الخوف على “مقدّسات الشعب التونسي” إنّما هو صراع وهمي هدفه تأجيج الغرائز الدّينيّة لغايات انتخابية صرفة.

هذا التأجيج يتوضّح من خلال تتالي ما سمّي بجمعة “نصرة المقدّسات” التي تتحوّل في معظم الأحيان إلى تظاهرات لشتم المعارضين ودعم للحكومة التي يقودها حزب النهضة الإسلامي.

ووصل الأمر ببعض المتشدّدين إلى المطالبة علنا بقتل المعارض السياسي أحمد نجيب الشابي، رئيس الهيئة السياسية للحزب الجمهوري (وسطي)، بعد أن أبدى تضامنه مع فنّاني العبدلّية.

غير أنّ استعمال المقدس لتأليب الشارع وتوظيفه سياسيا يمثّل سلاحا ذا حدّين. فقد كسبت النهضة نقاطا انتخابية بعد عرض فيلم برسوبوليس الذي  يتضمّن مقاطع تجسّد الذات الإلاهية على قناة نسمة التونسية قبيل الانتخابات. وساهم بث الفيلم في تلك الفترة في ارتفاع أسهم حركة النّهضة الانتخابية وألبسها ثوب الضّامن لحرمة المقدّسات.

ولكن من جهة أخرى قد يكون توظيف المقدس سياسيا الورقة الخاسرة أمام الرأي العام العالمي والحلفاء الاستراتيجيين الذين لا يرون بديلا عن حرية الإبداع. حيث لم تطالب النهضة أنصارها، ولأوّل مرّة، بالتّظاهر نصرة للرّسول احتجاجا على شريط أمريكي، مسيء للرسول، لكن مع ذلك قام بعض المتشدّدين باقتحام السفارة الأمريكية ووقعت مواجهات دامية أسفرت عن مقتل أربعة أشخاص.

ويرى بعض المختصين في القانون أن ما تخفيه هذه المراوحة بين المقدّس وحرية الإبداع في مسودّة الدستور لا يعدو أن يكون سوى تأسيس لمشروع طويل المدى يهدف إلى تقويض مقوّمات الدولة الحديثة بإرساء تصوّر جديد للمجتمع التونسي قائم على تغليب الدغمائية الدينية على حرية الإبداع.

حيث أكّد  عياض بن عاشور وهو من أهمّ فقهاء القانون العام بتونس أن مسودة الدستور التي تم إعدادها بالمجلس التأسيسي “خطيرة” قد تؤدي إلى “اغتيال الحرية الفكرية” وتمهّد “لدكتاتورية الدولة الدينية”.

ويرى شقّ آخر من الفقهاء أن الأمر أبسط من ذلك وأن التيار الإسلامي الذي نجح في الانتخابات الأخيرة يطمح إلى عدم خسارة قواعده بإظهار تمسّك ولو شكلي بالمرجعية الإسلامية خاصّة بعد تخليه عن مطلب إدراج الشريعة ضمن فصول الدستور.

إحياء خلاف قديم

هكذا يكون المجلس التأسيسي قد أحيى خلافا فلسفيا قديما في رسم الحدود الفاصلة بين المقدّس وحريّة الإبداع. وخير مثال على ذلك رسالة الغفران التي كتبها أبو العلاء المعرّي في القرن الرابع للهجرة والتي تخيّل فيها بلغة ساخرة يوم الحشر والجنّة وجهنّم وكان ذلك الأثر الأدبي أثار حينها جدلا واسعا حول المقدس وحرية التعبير الى حد تكفير الكاتب.

فهل أن الفنّ يقضي على الديانات أم أن التعصّب والتطرّف الديني من شأنه أن يقضي على الابداعات البشرية؟